‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسطار عربيّة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسطار عربيّة. إظهار كافة الرسائل

السّابع من أكتوبر


أتذكّر جيّدًا كيف أصبحتُ في ذلك اليوم -السّابع من أكتوبر المجيد- لحظات فقط.. وأدركتُ أنّ الأثمان التي ستُدفع ستكون بهيظة والمآل سيكون عسيرًا للغاية، ثمّ أنطقتُ فمي: اللهمّ سَلِّمْ.. اللهمّ سَلِّمْ.


علمتُ حينها أنّه ليس موعد النّصر الذي سيكون في آخر الزّمان وإنّما هو صولة جديدة كي لا ينسى السّلاح مكانه ولا ينسى الشّريف ترابه؛ فبلادنا منكوبة مهلوكة، لا تشرق عليها شمس ولا يتبعها قمر، من يقتفيها لا يعلم من أيّ صوب تهلّ عليه أخبارها العَفِنة، وكيف تشيخ في ظلالها الأيّام؛ أهلها نيام وعلماؤها في ظلام تامّ، وشيوخها آلهتهم كُثُر، وساساتها ليسوا صنّاع حربٍ أو طَعْن، وليس لهم في خرائط الأرض بُقعة واحدة. أدركت أنّها ستكون حربا دمويّةً سيقتفي آثارها الكلّ؛ في منظرها، في هلاك أهلها، وفي ذُلّ مَن كانوا يومًا دعاتها. وما الثّمن؟ الثّمن بات واضحًا كما هذا الحرف؛ إنّنا -نحن العرب- لسنا أهلًا للحرب.


نحن نحبّ الحياة مترفةً بالعِصيان، نحبّها مليئةً بالهَذَيان والسُّكْر، نحبّها ممزوجةً ببعض من المُجْن، لا نحبّ أن نواجه أنفسنا في ملذّاتها، أو أن يكون لنا قوانين تقودنا. نحن لا نحبّ أن نواجه الحقائق، ولذلك نُهزَم في أشيائنا، نُهزم دائمًا عند أوّل مُنعطَف حقيقيّ يمتحننا ويضع المرايا أمامنا صوب أعيننا. ولن تجد -هاهنا اليوم- رجلًا واحدًا يكون بأمّة، ذا مبدأ وراية، معلّمًا أمينًا وقائدًا متينًا، بل هؤلاء -السّاسة- في مصائرهم التي وُجدوا عليها.. لم يصلوا بعد لحقيقتهم، هم خيالات في سراب سرمديّ.. نقتفيه من ورائهم وندلّ عليه! ولو أنّ عروشهم من ذهب لكنّا قد اعتبرنا وعذرنا، لكنّهم لا ثمن لهم حينما الوالي الأصفر يصدر الأمر.. والتّاريخ يشهد.


هذا السّابع من أكتوبر اللعين أتعبنا وأهلكنا وأظهر علينا أنفسنا، صرنا من خلفه نبحث كما الكلاب اللاهثة عن مصائرنا هنا أو هناك بين الأزمان والأمكنة في خبايا الأرض؛ مَن نحن؟ ما لوننا؟ ما كياننا؟ وما ديننا أو دَيْدَننا؟ صرنا نبحث عن معانٍ جميلة ربّما كانت لنا في أيّامنا.. علّنا نرمّم ما تآكل به بنا. وإنّما اللعنات هذه.. إنّما هي على أنفسنا.. كيف صرنا وكيف غابت عن مرايا هذا العالم الواسع الفسيح صورنا؟!

أتعَبَنا ذاك اليوم؛ زلزلنا وهدم علينا حرفنا ونصّنا وكسر قافيتنا، لم يعد بإمكان المرء أن يواجه صورته وهو وحده.. وهو يكتب ويقرأ ويعيش، إنّنا الآن جالسون حيثُ يجلس من يريد النّهاية؛ على حافة الجُرف بل الهاوية. وإنّما مصائرنا بعد هذا اليوم ستكون سرابًا، سنعيش ما تبقّى لنا من أيّامنا ونحن مدركين تمامًا كيف هو لون الهوان وما هو طعم الخيانة، وبعد مائة وستّين يومًا.. بات جليّا لنا جميعًا ذلك.


نحن أقوام لا تعي من مفاهيم النّصر إلّا صلاة الغائب، فكم صلّت الأعراب على "السّابع من أكتوبر" صلاة غائبٍ دون أن تطُلِق له راصاصة واحدة في الهواء، ربّما هم نفسهم في أنفسهم خَجَل أن يخبّروا العالم -هذا الذي يكذبون فيه- أن هذه الصّلوات إنّما هي على أنفسهم وليس على من مات في ذلك اليوم.

الأجيال المختارة القادمة سيكون لها كلمتها لا شكّ، سترمي وراءها كلّ ما لا يُقتَنى؛ أجدادها ومبادئهم وبعضًا من عوالمهم ثمّ ستصنع الكلمة لأنها ستكون قد آمنت بها، ستمزج في دمها آلاف الأحرف والكلمات التي فيها من العزّ والكبرياء.. حينها... ستدور الأرض بين أصابعهم.

أمّا أنا.. وما قرأتُ من تاريخ وأدب وشِعر.. وما كتبتُ منهما.. سنذهب أدراج الرّياح، فكيف سنؤمن بهذا الحرف المهترئ... بعد أن استولى عليه نصّابٌ ومدّاح؟

انتكاسة الأنثى

 



لم أكن أعلم أنّ للمرأة عيدا أو يوما! ومتى كان للمرأة عيدٌ في بيوتنا؟ 


تتوالى الأحداثُ والمؤتمراتُ في كلّ بلدٍ يتّسمُ بالتّطوّر، أو يُنسِّبُ نفسَه داعيَ الحضارة والقوميّة والإنسانيّة، فتراه يضع المرأةَ نَصْبَ عينيه -في دول هذا العالم الميّت- في أوّل خطابٍ رسميّ له، مدّعيا.. أنّها مُمتَهنَة ومكسورة، وما قامت لها قائمةٌ منذ أن وطأ الإنسان الأوّل الأرضَ! وأنّ حقوقها منتهكة! وأنّها محض اسم أنثويّ لا غير! والأجمل في ذلك الأمر.. أنّنا صدّقناه! فترانا نشيد ونعدّ المقالات، ونكتب الشّعر والنّثر تابعِين له!


المرأةُ إن لم تكن نِصف المجتمع -كما قالوا- هي الكلّ، الكلّ بالفكر وبالإدراة وصياغة أجيال جديدة تَعِي تماما معنى الأخلاق والدّين، مُقِيما فِكر الإنسان وحياته. لم تُهمّش المرأة يوما في مجتمعاتنا قطُّ، حتّى عندما وُئدت.. ما همّشها أحدٌ بفكر ذلك الإنسان الأوّل! بل ربّما كان لتكريمها -كما رأى العالم الغربيّ لنا- أساسٌ للمجتمعات الغربيّة لقلبِ الطاولة على عقول الأعراب.. حين خَلَت مجتمعاتهم من مفهوم الأسرة والأمّ.. قبل كلّ شيء!


الدّين الإنسانيّ الإسلاميّ الحنيف، يعلّمنا ما المرأة، يعلّمنا مَن هو ذلك الشيء العظيم الذي إن ضَعُفَ هُنّا وهانت أنفسنا، هي الأمّ والأخت والزّوجة، هي القلب الحنون لكل تائه هاربٍ كسّرته أزمانه. الإسلام الذي جاء دون أن يَمْزُجَ أفكارَ الإنسان بقوامةِ الدّين والدّنيا، قد أنصف وعَدَل، حتّى بَدَت المرأةُ منذ ألف وأربعمائة وأربعين عاما وبضع أخريات؛ شيئا -ما إن أتى عليه الإسلام حتّى- ثار عليه الجميع مستنكرين ما وجدوا من إكبارها وإجلالها! أكرمها؛ إذْ أعطاها الحياةَ بأمر ربّها -أولا- فنقلها من ظلام الأرض لنورها، في أمرٍ كان مُنكَرا بين كلّ العرب، ومِن تعبٍ وهمّ للرّجل إلى راحة لها وله، وحتّى سُوُر القرآن الكريم.. لم تخلُ من أن يكون لهنّ النصيب العظيم فيهنّ.. أعظم ما نزل على البشر.. كلام الله!


أبصِر العالم الغربيّ -سيّدي العزيز- سَتَجده عالما يفتقر لمعنى الأسرة والأم! فتبلغ البنت سنّها لتنفصل بعد ذلك عن أسرتها -تحت حماية قانون دولتها- نحو عالم مجهول.. مع حبيبٍ شهوانيّ ليس مُهيّأ بعد لبناء أسرة رفيعة! 

عالمهم يخلو من الأبطال -سيّدي العزيز- فيصنعون دائما.. "سوبرمان"، "باتمان"، "فتيات القوّة"، إلخ! عالمهم بسيط جدا! لا أقصد العالم "الماديّ" من حديد واسمنت ونُحاس -فمادة الشيء زائلة- بل أقصد عالم الفِكرة، ذلك العالم الذي لا يستطيع أن يتملّكه الكثيرون، بل قلائلٌ من يفعلون ذلك.


وكنتُ قد قرأتُ عن أعرابيّ - قد سكن الصّحراء قُبيل الإسلام- لِوَأدِهِ ابنةً له، أنّه قال: "أتتني ابنة كوجه القمر ليلة النّصف، فخشيتُ عليها أن يمسّها سوءٌ مِن أحد ساكني الصّحراء عديمي المُروءَةِ إذا اشتدّ عودُها، فينما أنا بين أمريها.. اسودّ وجهي، واخترتُ موتَها من بين حاليها الكريهين!".

فكان الوأد لها آنذآك حياةً لها لا موتا عليها! خوفا أنْ يمسّ رداءها ظلمُ المشرّدين واعْوِجاجُ الإنسانيّة، فكان الظنّ السّائد -آن ذاك- أنّ الجواهرَ لا يجب أن تراها الشّمس، والأرض هي المستودع. ليغفر لنا الله عن أخطائهم!


قد كرّمها الإسلام بالحياة أولا، ثمّ كرّمها وأخبرها أن تختار مَن تأمَن به متاعبَ الدّنيا من زوجٍ يكون لها أهلا وعونا -بعد أن استعبدها أراذِلُ العرب- ولمّا صارت أمّاً.. قَرَنَ ربُّها طاعته بطاعتها! فعاصيها هو عاصٍ له.. وبارّها هو بارٌ له! أيّ تعظيم ذاك أيّتها الأنثى! وقال فيها النبيّ عليه السّلام: "ما أكرمهنّ إلّا كريم، وما أهانهنّ إلّا لئيم".


ونتذكرّ قصّة الرّجل الذي جاء الرّسول طالبا الجهاد -والجهاد هو الرّكن الأعظم في الإسلام- فسأله النّبي: "ألكَ أمّ حيّة؟" قال: "بلى"، قال -صلّ الله عليه وسلم-: "فالزم قدميها فبهما الجنّة!". أيّ تكريم.. أُعطى لبني حوّاء! 


ما أوجب الإسلام عليها من موجبات كان لله حجّة وغاية، فما أمرها بأمر إلّا ليصونها ويحفظ كرامتها، ويحميها من مَن يقتاتون بأعراضها. مَن يتبصّر بما أوجب لهنّ الإسلام مقارنةً بالرّجل؛ يعي تماما أنّ الله أكرمهنّ -ما ميّزهنّ الله.. لكنّه تعالى عدل مع جنسي خلقه والإكرام هو ما استحقت الأنثى منذ خلقها- فإنفاق الرّجل مع راحة لها، وأمْرُه بِحُسْن عشرتها.. فكان تكليفاً واجباً ليس اختياريّا له، وقضايا الميراث التي أشاد الأغراب بها لينتهكوا من إسلامنا السّمح ما هو إلّا دليل وحُجَّة لنا تنقلب عليهم؛ فأعطاها لما يكون ذخراً لها، وما أُعطي للرّجل كان إنفاقاً عليها.. هذا وقضيّة الميراث أعظم من سردها الآن. 


ثمّ تأتي الخطابات الغربية.. ولا ندري لِمَ يرفعون لها الهتافات ويقيمون المؤتمرات وهي المكرّمة إلاهيّا! بلْ.. يريدون منها سلعةً بشريّةً ما إنْ تنتهي صلاحيّتها.. يضربون بها وجْه الثّرى.. 

ليس عيبا -بنظري شخصيا - أن يُقام من مثل ذلك من مؤتمرات تزيد الإنسان وعيا وفكرا وإنسانيّة، لكنّ العيب هو أن نُتّهم بأنّ ديننا قد نسي المرأة! العيب هو أنْ نشدّ على تلك الأربطة، وهلْ كان المخلوق أكثر وعيا من الخالق في التّشريع والتنديد؟! حاشا لله! 


تلك المقتطفات؛ نزلت من السّماء لعظيمات الأرض، وهنّ لسنَ بحاجة لتشريعات جديدة تأتي من الأرض للأرض! من شهوة الإنسان لشهوة إنسان آخر! لكن وإن كان ذلك لزاما.. فأرونا غير ما أعطاه الله لهنَ! أرونا تكريما جديدا، غير حقّ العمل، وحقّ الرأي! فهي العاملة العالمة، يُؤخذ برأيها ويُعمل به والقصص كثيرة غنيّة في السيرة والتراث، زمن الرّسول وأمَّ سَلَمَة، زمن الصحابة الكرام.. لكنّ بُنيتَها الضعيفة التي لم يخلقها الله جلّ جلاله عبثا إلّا لغاية، فلا عمل ولا قتال واجب عليها، بل لها حياةً آمنةً تعيش فيها كريمةً بين الكرام.. لتأتي ما وُكّل إليها.


ولم يخاطب الإسلام فئة دون أخرى، بل كانت التشريعات لكلا الجنسين، فساواهما بذلك، و وصايا المصطفى لهنّ دساتير بشريّة في غاية الجمال، فما كان للرجل.. كان للمرأة، فقال عليه السّلام : "إنّما النّساء شقائق الرّجال". والنبي -عليه السلام- ندّد بحمايتهنّ وتكريمهنّ فقال: "استوصوا بالنّساء خيرا". صلّ عليك الله يا سيّد البشر وأكرمهم.


فالحمد لله الذي لم ينتقص من حقوقها شيئا، بل فاق ذلك موازين الجمال والكمال، لأنّها من ربّنا الكبير المُتعال، صاحب العزّ والكمال،  ذو العظمة والجمال، المُنزَّه عن النّقص وليس هو إلى زوال.


كلّ ما كُتب، أحاسَب عليه، لم أكتبه إلّا لأنّ إسلامي الإنسانيّ في الدرجة الأولى.. جعلني أكثر إيمانا بالمرأة فهي أمي وأختي وزوجتي غدا. هي مدرستي، وحُجّتي، فإن أُحسِن التّعليم بها؛ صُنعت القادة، هي الجلال والكبرياء والعزّ والكرامة.


كلّ الأيام لكنّ، فأنتنّ الأيّام. الله كرّمكنّ.. ولا يُخطِئ الله تقديرَ أمرِهِ أبدا.. حاشاه.

قِطارٌ كهربائيٌّ يسير مع اتّجاه الرّيح، فأين يكون اتّجاه دُخانه؟


 قِطارٌ كهربائيٌّ يسير مع اتّجاه الرّيح، فأين يكون اتّجاه دُخانه؟

تلك أُحجية أستاذ الفيزياء بمدرستي التي أرهقني التّفكير بها آنذاك، حتّى حينئذٍ ظننتهُ -للحظة- عبقريّاً كآينشتاين بعض الشيء!

هل كان الحقُّ عليه إذ جعلني أفكّر كثيراً؟ أم كانت سَذاجَتي -التي تَقْبَعُ خلف تفحُّص ما وراءَ الأمور- تَحْتِم عليّ أنْ أتمعّن بها كثيراً؟ أم هل كان والدي هو السّبب؛ لمّا نمّاني بمدارسَ لا يعي أستاذُها بأنّ طلّابه سيكبرون.. وسيعلمون ما سيعلمون؟!


تضحّي بعمرك.. لتُنشئ مجتمعاً يرتقي بأهله ووطنه ويصيّرهما لما هو أجمل، نقضي من أعمارنا سنواتٍ ونحن نعجنُ التّاريخَ والحسابَ وعلومَ الفيزياءِ ونطهوها على نارٍ كان زيتُها ماءً! ولو أنّا استفدنا.. لانعَكَس ذلك جليّاً على مجتمعاتنا، لكن بدا واضحاً بأنّنا كنّا نضحك على أنفسنا إذْ كان للطالب باليوم الواحد سبع ساعاتٍ من حصص دراسيّة لم ترقَ بالمطلوب. ولا أذكر أنّي استفدتُ منها سوى بعباراتِ والديّ بأنْ أكون الأوّل دائما مهما كان الثّمنُ!


لمَ لم نتعلّم بأنّنا لسنا أغبياء؟ أو ليكون سؤالنا صحيحاً؛ لِمَ لم يُعلّمنا أحدٌ ذلك؟ لمَ لم نتعلّم بأنّنا أهلٌ لقيادةِ أجيالٍ قادمة؟ أو أهلٌ لأي شيء؟ لمَ لم نتعلّم بأنّ الحقيبة الدّراسيّة التي أصابتنا بآلامِ الظهر اللعينة.. هي وسيلة وليست غاية؟


لربّما هذا حال الطّبقة الكادحة التي أنا منها؛ مدارسٌ حُكوميّة، مَصروفٌ حُكوميّ لا يكفي لأن تتظاهر بالبَطَر بعض الشيء، أصدقاءٌ حُكوميّون، وحتّى أنّني كنت أرى مدرستي حكوميّة! فلم أؤمن للحظة بأنّي قادمٌ لتلقّي العلم، فكانت الغاية منها كي أرى أصدقائي وأصارعهم ويصرعونني؛ نتدارس أمام معلّمينا، نُضحِكهم، ويبكّونا في الاختبارات كنوع من أنواع السيطرة التي افتقدوها دَيْدَناً ونَهْجَاً، أيّ أنّ العمليّة الدّراسيّة قد بدت نُزهةً لكلينا بعض الشيء!


لكنّ الأشياء الجميلة التي تعلمناها؛ هي أنْ نحترم الجميع فكيف بمَن علّمنا، حتّى وإنْ كان الواحد منّا ذا صوابٍ والمعلّم كان على خطأٍ، وليس ذاك -في مقتبل الأمر- لرقيّنا أو لكرم أخلاقنا! لكنّنا كنّا إذا عَقَقْناهم وأخبرناهم كم هُم مُخطئون، سيكون لنا ما لم نَتَمَنّه أبداً.. إذا وصل الخبر لوالديْنا!


فإذنْ؛ أستاذي العزيز، فَقِطارُكَ الكهربائيّ ذاك.. سيتّجهُ دُخَانُهُ شَرقاً. سامَحني الله.


مَعارك الله

 


يُطْبِق عليك اللهُ في شيء تحبّه، اطباقاً تتفرّق فيه أضلُعك، لتقفَ في ليلة سوداءَ -في أيّ أراضي الله- لتقول: "هذا الأمر أنساني حقيقتي". ثمّ تمرّ لمكانٍ قَادَتْك إليه أطرافك السّفلى، وترى -بكلّ هشاشةٍ فيك- فيها كم صرتَ وحيدا، لتتأكّد أنّ الله يريد أن يخبرك شيئا، لكنّك -لضحالة بصيرتك- تقف عاجزا أمامه، وتبقى هكذا؛ تدور حيث أنت، في كلّ ساعة ألفَ دقيقة من العجز!

نحن البشريّون المؤمنون بالله يقيناً، يصيبا قهرٌ مِن شيء تأخّر علينا مِن رزقٍ مثلا ونحن نعلم -يقينا- أنّ الله يدبّره، فكيف إذا تُرك لك تدبيره أنت؟! أيّ عجزٍ ذاك.. بمحدوديّتك كبشريّ؟! لا شكّ أنّها رحمة عظيمة، حينما أمر الله أن تكون كلّ أمورنا -ما كان دنيويّا منها- من "تسيير" الإله وحده.

تخيّل لو أنّ الإله لم "يُسيّر" لنا أرزاقنا، أزواجنا، أبناءنا، أعمارنا، حيواتنا.. تخيّل لو أن الله قال لك: رزقك هذا الذي أتاك دون عناءٍ منك بين أطراف يديك في هذا العالم الواسع اللامنتهي.. لك أن تختاره بأيّ صورة تريده لك! ثمّ اسْعَ له أنت دون تدبير من أحد! أتصبح طبيبا؟ أم مهندسا؟ أم معلِّما؟ من أيّ طريق ستسير صباحا كي تدنو "بصدفةٍ" ما تقرّبك من رزقك في هذا العالم الواسع جدّا؟! في أيّ عالم ستعيش كي تصبح ناجحا؟! في أيّ أرض ستحلّ طالبا ما كان صعبا هنا أو هناك؟! أما تخيّلتَ معي كم من العناء أن تفكّر كيف ستنجو في يومٍ واحد؟! فماذا لو كانا يومين أو ثلاثة؟!

بهذا الشّقاء اللامتناهي، لن يقدر أحدنا على العيش طويلا، فالنّعيم والحياة خطّان متوازيان لا يلتقيان بنقطةٍ أبدا.


هذه الدّنيا صعبة جدّا، والأصعب من ذلك كلّه أنّه مطلوبٌ منك أن تصير فيها شيئا وأنت لا شيءَ بتاتا، إضافةً لذلك.. أن تدخل الجنّة لاحقا!

وفي عالَم يكتظّ بالمعصيات، وبالمعارك النّفسيّة بين الشّيء والّلاشيء، بين الحقائق الماديّة والّلاماديّة، بين آتٍ وذاهبٍ، بين مُكَذِّبٍ ومُصدِّق، وبين دُمىً تتحرّك في "دوائرك الخاصة" تصنع لك عالَمك، وبين هذا وذاك تَكْمُن أنت أيّها الضّعيف! كم هو عقاب أن تكون بشريّا هنا!


فلماذا إذن يطبِق اللهُ علينا صدورَنا في أمرٍ نحبّه طالما أنّ الأمرَ مُسيَّرٌ لنا في نهاية المطاف؟! صدقا؛ ما وجدتُ جواباً شافياً لهذا السّؤال، بل كان استنتاجي الوحيد أنّ الله يريدك دائما في معركةٍ ما، وأنّ هذه المعارك هي لك وحدك، وأنّ الله كما أخبرنا -في كتابه العزيز- أنّ الإنسان مهما تجبّر وعلا لن يضرّ الله شيئا، ولنا في قصّة فرعونَ وقصص الأوّلين آية، وليس من المنطق أيضا.. أن تكون ندّا في معركةٍ إحدى طرفيها الله! هي معركة خاسرة يا بنيّ! فإذن؛ الله يريدك أن تخرج من معركتك أو معاركك.. هذا الإنسان الذي لا يكون بشراً، فمن المعروف أنّ كلّ إنسان بشر وليس العكس بصحيح أبدا، وأنّ كلّ معركةٍ ستخوضها في هذه الأرض، لا شكّ أن الله سيعلّمك بها شيئا ما.. لا شكّ بذلك. وهذا الكلام الذي قيل.. لن يكون صحيحاً إنْ كنتَ نائيا عن الإله الأوحد، لأنّ دنياك الآن تسير بلا منهج متبوع أو طريقة تُسلَك، ولا أظنّ بذلك أنّك ستتألّم من همٍّ أتاك لمعركةٍ كنت قد خضتها، فلا يتألّم إلّا حيّ، وأنت الآن ميّت.


وعندما فشلنا -نحن البشريّيون- في اختبارنا الأوّل، عندما كنّا وكان أبونا آدمَ وأمّنا حوّاءَ في الجنّة، فكان لِزاماً على كلّ مَن أراد أن يعود مرّة أخرى إلى تلك الأرض المقدّسة "الجنّة"، أن يعود لها إنسانا لا بشراً، فبشريّتنا -بصورتها الأولى- قد فشلت ولا يمكن لها أن تعود أبدا إلى هناك وهي بنفس الصّورة ذاتها.

ثِقْ تماما أنّ معاركك -مهما عظُمت- فقد وُجِدت لأنّ الله يريدك أن تتعلّم شيئا ما منها.. لا لماهيّتها، لتغدو بذلك إنسانا عظيما، ولا يريد الله بتلك المعارك أن يَقتُلَك أو يُقاتِلْك، فهو قد تَعَالى وترفّع عن ذلك -عظيم الشّأنِ رفيع المقام- منذ الأزَل.

نِزالاتُكَ.. معاركك.. حروبك.. سمّها كما شئتَ، فهي الآن جميعها لك وحدك، فَصَيِّرها كيفما شِئْت، فأنتَ بين حاليْن لا ثالثَ لهما؛ إمّا أن ترجِع لتلك الأرض بشراً، أو ترجع إنساناً، فاخْتَر أيّهما...

مَحكَمَة الأَمَل


 كان سؤالاً صعباً للغاية لم أر مثله قطُّ، رغم أنّه -لا شكّ- من أسهل التراكيب التي رأيتها! 
كتب لنا؛ مِن هذه الأحرف الثلاثة، اصنع ما شئت: (ل، أ، م). المعضلة حقّاً لم تكن يوماً في الأحرف، فترويضُها عندي ليس بأصعب الأمور، بل كانت المعضلة حينما أكملت قراءة النّص: "لك أن تختار تركيباً واحداً فقط، وليس من حقّك أن تمتلك أكثر من تركيب واحد من هذه الحروف الثلاثة".

كتبتُ في أعلى الورقة:

"أستاذي العزيز.. قد كان سؤالك خاطئاً، فكيف لامرئٍ أن يتنصّلَ من ألمه وفي نفس اللحظة.. أن يهرب مِن أمَله؟! هذا في لغة المنطق باطلٌ.

ثمّ أكملتُ.. إنّ الألمَ حلمٌ، وما من امرئٍ يتألّم إلّا لأنّه حيّ ويحلم بالكثير، فالحلمُ أَلَمٌ وأمَلٌ، ولا إجابة لما بُني على خطأ".

أتى اليوم التالي وشرع بمناداتنا بحسب مقدار الدّرجات التي حصل عليها كلّ واحد منّا الأوّل فالأوّل.. وكان اسمي الأخير، كلّهم كانوا أرفع منّي درجةً في مادة الامتحان. ناداني: حُذيفة.. اتبعني!

لم تكن لي علامة كما الآخرين، كانت ورقتي بيضاء وعليها ما كتبتُ فقط! وكأنّه أراد أن يريني شيئا كنتُ قد جهلته.. أو تأنيبا لي.. فكيف لتلميذٍ أن يُرِي أستاذَه من أين تؤكل الكَتِفُ! أو ربّما هكذا ظننت حينها!

بدأ يقرأ.. بصمت شديد، وكنت قد تيقّنت أنّه لم يعجبْهُ ما كتبتُ من تعابير وجهه، فكتب لي على الورقة ذاتها بخطّ أحمرٍ؛ "كلّ ألمٍ موتورٌ، ولا يمكن لإنسانٍ حيٍّ أن يجتمع به كلا التركيبين، ألَا تعلم أنّ عجلةَ الحياة تدور، ولا يمكن لها أن تتوقّف أبدا إلى حيث ينتهي الزّمان. بل الأشدّ عداوةً للزّمان هو انتظارك جفافَ ألمك كي تمضي قُدُما، وهو تفكيرك ذاك! إنّ الآلام -مهما عظُمت- لا يمكن لها أن تحيا في جوفٍ آملٍ بالكثير، النّار والماء باجتماعتهما معاً هو فناء أحدهما على الآخر.. فإمّا أن تكون ماءً، أو تكون ناراً لا تُطفأ أبدا".

خرجتُ من عنده، ولا شيء في رأسي يدور غير هذه الكلمات؛ قد أنصفتَ أيّها المعلّم، فما من ألمٍ يدوم، وكلّ آلامنا موتورة، وكلّ أيّامِ أحلامنا متبوعة، من فهم ذلك فاز ومَن أراد عيْش آلامه خسر. إنّ آلامك -مهما عظُمت- مستهلَكة، وإنّ أحلامك الباقية، وإنّك مقتولٌ متى فكّرت عيْش أَلَمِك دون أمَلِك.


مُتَرادِفات بين يديّ الشِّعر والحياة

 

تبحثُ عن المترادفات عندما تكتب شِعراً كيما يظلّ الشّعر جميلاً ليحمل المعنى نفسه، لكن.. باختلاف الأحرف وتراتيب الكلمات وأشكالها. فالمترادفات إذن، يطمسنَ الجمال الحقيقيّ! ونحن هكذا، نريد لأنفسنا أن تكون جميلةً، لكن دونما تغيير، فقط بالبَحْث عن المترادفات التي ستؤدّي نفس الغرض!

الصّورة التي كانت جميلة عند التقاطها ستبقى كذلك، حتّى وإن وضعتَ لها إطاراً رخيصَ الثّمن، لكنّ العكس غير صحيح أبداً.. فمَكنونُ الشّيء دائما هو الأهمّ والمقصود.


لا يمكن لنفس أن تتجوهر في إطار جميل دون أن يمرّ عليها الزّمن بتجاربه وخبراته، هل يصحّ في لغة المنطق.. أن يجلس طفلٌ ذو أربعة عشر عاما في مجلسِ حُكْمٍ يقضي بفصْل النّزاع بين القبائل مثلاً، دون أن يُفَقَّه في الدّين والتّاريخ والأعراف وقضايا النّاس؟! لا؛ فحديثو الفكر يجهلون الكثير.

فالبَحْثُ عن المترادفات لتأطير الأحداث.. حتّى نعيش لحظتنا لنبهر الآخرين، سيكون مآله عقيماً في نهاية المطاف، وسيظهر عُقْم الفكر من العلم والخبرة ومجارات الأحداث بعد تتابُع الأفكار وتبادُل أطراف الحديث. أي أنّه، إن أردتَ نَيْل شهادةٍ في الهندسة مثلاً.. فعليك أن تمرّ بعدّة اختبارات لذلك، وليس أن تجلس في مجلسٍ يعجّ بالمهندسين الجهابذة!

وأخلاقُنا أيضاً، لا تصير جميلةً، إن لم تُؤطَّر بالعلم والخبرة، فيجب أن يمرّ عليها علم الأوّلين وتجارب الآخرين، حتّى تصير حَسَنَةً، فإن بحثت عن مترادفات لذلك؛ ملابس جميلة، مال، تَصَنُّع اللحظة، تقويل ما لم يُقَل، إلخ، فكلّ ذلك مع الوقت، سيتّضح للآخرين.. كم حجم المترادفات التي وضعتها لنفسك!


المترادفات لغةً: ما كان يحمل نفس المعنى، أو يكافئه، باختلاف الكلمات. فمهما حاول أن يجد لنفسه ستاراً يقيه هذه اللحظة، فلن يجد، مهما بحث عن مترادفات ما تقيه سوء اللحظة التّالية!

تعلَّم، وعلِّم، واعْلم أنّ عقول النّاس موزونة، فالجهل بيّن، وكما قال سُقراط الحكيم: "تكلَّم حتّى أراك".


كم تعلم من هذا وذاك، هذا وَزْنُك بين هذا وذاك، هذه هي المعادلة التي اقتضتها الحياة، فلن تغنيك أموالك في مجالس الفكر والعلم عنك شيئا، بل ستنزلك منزلاً.. كصخرةٍ حَطّت من عَلٍ.. وتضعك أرضاً، حيثُ حجم عقلك الفعليّ يحيا هناك. هكذا قال سُقراط، وهكذا سأقول، وهكذا سأعلّم أبنائي: تكلّم وأَبِنْ، حتّى أرى عقلك فأراكَ أنت.


وإنّ الإله الأعظم، سيسألنا عمّا علِمنا وعلَّمنا هنا، وسيزِنُنا عمّا علَّمنا، لا عمّا علِمنا فقط. تعلّم الدّين، وتعلّم علم الدّنيا أيضا، فهما طريقتان معقودتان بعقدة واحدة، لن تنفصلان مهما حاولت.

لا تبحث عن التَّرادُف لحياتك، فهو يمنحك أن تعيش لحظةً لا عمراً، لكن ابحث عن تمام الكَلِم والمعنى. هناك حقّاً.. ترسو المُتْعة الحقيقّة!

النّسوية قاتلة، لعن الله مَن أيقظها


النّسويات يقتلن ما تبقّى من جمال المرأة في نفوس البشريّين. يظنّون أن المجتمع لا يحيا إلّا بهنّ، وأنّه يجب ألّا ينحكمَ لقانون الفعلِ وردِّ الفعل؛ بمعنى أنّهنّ عليهنّ أن يفعلن ما يحببن، بارتداء ما يردن، بفعل أفعال ينكرها العقل قبل العرف، إلخ، ثمّ يطلبن من المجتمع أن ينقاد لهنّ!
ليس من المنطق أبدا، أن يطلب المرء ما يكون ضدّ عقله، أو يُشرِّع قوانينَ لا يقبلها الشّارع والمتفرِّج، ثمّ يطلب من هذا وذاك.. أن ينصاعَ لأمره وينزل تحت طاعته!
المرأة المسلمة، التي تعيش في أسرة مسلمة لا منحلَّة أخلاقيّا، تعرف تماما أنّ الإسلام أعطاها.. ما لم يعطِها دينٌ سماويّ آخر، بل وتعلم أيضا، أنّه أعدل منهج سماويّ، يمكن للمرأة أن تحفظ تحت ظلاله، عفّتها وحياتها.
  نعم؛ أعلم تماما أنّ النّسويات، لم يذكرن الدّين في شعارتهنّ، لكنّهنّ ينظرن فقط لما أمام أعينهنّ لا بعقلهنّ الأجوف؛ هذا متحرِّش مسلم، إذن، فدينه يأمره بذلك، تحت عنوان التّربية الأبويّة كما يدّعين!
وهذا متحرِّش غير مسلم، مسيحيّ، فإذن، دينه يأمره بذلك تحت عنوان الأسرة المسيحيّة المتديّنة.. وهكذا دواليك..
الخلل لم يكن يوما في أسرة متديّنة، فكل الأديان تدعو النّاس لحسن الخلق، بل إنّ الأرض في الجاهليّة -ما قبل الإسلام- كانت تعجّ بالأخلاق، التي دعت إليها الأديان والأعراف السّابقة!
هل ظهرت هذه الحركة النّسوية البغيضة، ما قبل ظهور العولمة؟ هل كانت المرأة أغبى والآن ازدادت ذكاءا،  رغم أنّ الغذاء نفسه والماء نفسه؟! حركات لا تعي بما تُخبِّر النّاس به، فاسأل إحداهنّ.. ماذا تعلمين من تاريخ المرأة عبر العصور؟ ستخبرك أنّها كانت تُقتل، وأنّها كانت تُضطهد فقط!
وأنّ السّبب في ذلك هو ذكوريّتنا نحن العرب! وهل كانت المرأة تُصان وتُحفَظ كرامتُها، دون عِزَّة العربيّ وأَنَفَتِه؟ هل كان أحد يجرؤ أن يأتي عِرض فلان غيور؟ لا، فالعربيّ وحده، من صانك قبل أن تُشرَّع الأديان، وقبل أن تستلهمي أفكارك عمّا بِنا، من غيرة على أعراضنا. لا ألومكنّ، فأنتنّ تردن تطبيق ثقافات ليس لها دين وسلطان، دون وعي بما تُخبّئ لنا!
اقرئي تاريخ الشّعوب، قبل أن تفتحي عقلك الأجوف، على ثقافات مُحوسَبة، لا يُرينك منها سوى ما يريدون فقط، كي يقتلوك ببطء شديد.

  أنا لا أقول ما لا يقبله المنطق، نعم؛ فهناك شرّ وهناك خير، وكلا الأمرين لا يرتبطان ببعضهما؛ أي أنّ هذا.. لا علاقة له بذاك، إن ظهر في المجتمع. فآدم عليه السّلام، كان ابنه عاصٍ، وأبى دين أبيه!
الإسلام دائما هو الحلّ؛ فالشّرائع التي تأتي من مشرِّع أعلى، يجب أن يُؤخذ بها ممّا كان دون ذلك في التّسلسل الهرميّ؛ لأنّ من كان أعلى، يكون أعلم وأعرف، ممّن كان دونه. ومن صانت دينها.. صانت كلّ شيء لها، لكن، هل هذا يعني أنّ الأمر انتهى عند ذلك؟ لا، فكما هناك خير، هناك شرّ يحيا معه.
والتّاريخ يشهد على ما أقول؛ عائشة أمّي -رضي الله عنها- صانت دينها، لكنّها اتُّهمت بما لا يرضاه أحد في حادثة الإفْك، لكن لأنّها حفظت الله في سابق عهدها، حفظها الله، وأنزل براءتها وشريكها في التُّهمة، في كتاب ربّانيّ، محفوظ أبدا. لن تنتهي شرور أنفسنا، طالما الشّيطان حيّ في نفوسنا، لكنّ الحرب بيننا وبينه ستكون مفعَمة بأحاسيس النّصر لنا، متى شاء الله ذلك.
والإسلام في العقاب، قَرَنَ الذّكر مع الأنثى؛ "..الزّانية والزّاني.."، وفي مواضع أخرى أيضا، فلم يميّز بينه وبينكِ، بل أنتِ من صنعتِ هذا التمييز الأخرق، بعقلك الأجوف المتقلّب! نحن لسنا ملائكيّين، ونصارع الشّرّ دوما، والخطأ يصدر من عقلنا أنا وأنتِ، فلا تستشرفين، وأنت مليئة بأفكار خاطئة.
أنتِ.. من تقبلين على أفكار النّسوية بشغف؛ اسألي أيَّ واحدةٍ من دعاة النّسوية؛ عن تاريخ الشّعوب، عن تاريخ العرب العظماء ونسائهم، عن نساء النّبيّ، عن الصّحابيّات الجليلات، عن الدّين.. ماذا يعلمن منه.. فقط سؤال بسيط، ثمّ لك أن تنعمي بما ستسمعين منهنّ! اسألوا واعلموا، ماذا تُخبّئ عقولهنّ من أفكار لا ترضي عقلا أبدا، بل كلّ ما يسعين له.. قِوامة خرقاء، تكون ضِدَّ مشيئة الله.
نحن جئنا لهذه الأرض من نساء، ورضعنا من نساء، وتربّيْنا على يدي نساء، لكنّنا.. جئنا من أرحام شريفة عظيمة عفيفة، ورضعنا لبنا خالصا من ثديين عظيمين شريفين.. لم يُكشفا إلّا بما أمر الله، ونبتنا على يديّ نساء مؤمنات موحّدات طائعاتٍ شاكرات، يأمرن بما أمر الله، وينهين عن دون ذلك. هؤلاء النّسوة.. فقط من يصلحن لنا.
لا أنكر الأخطاء التي انتهت بالقتل لفلانة ولأخرى، التي تلت قصص العِرْض والشّرف لذوي القتيلة. لكن، هل تعلم أنّ -في الإسلام- هَدْمَ الكعبة حجرا حجرا، أهون عند الله من إراقة دمِ مؤمنٍ موحّدٍ بغير حقّ؟! وعن النّبيّ؛ قال: "لا يحلُّ قَتْلُ مسلم إلّا في إحدى ثلاث خصال؛ زانٍ مُحْصَن فيُرجَم، ورجل يقتل مسلما متعمّدا، فيُقتل، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب اللهَ ورسولَه، فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض". رواه أبو داوود والنّسائي.
  والثَّيِّب الزّاني أو الزّاني المُحصَن؛ من كان متزوجا وأبى حلال الله على حرامه. فالقتل في الإسلام يكون بحقّ، كي لا يتفشّى المُنكَرُ والظلمُ في الأرض، ليحيى الآخرون.
والقتْل في الإسلام، يُحدِّده قاضٍ عالمٌ في الدّين؛ قرآنه وسنّة نبيّه، وأن يكون عالما في العُرف والتّاريخ، فقتل مسلم متعمّد دون حقّ، سيكون عقابه وخيما يوم نلقى وجهه الكريم. 
القاتل هو مسلم عاص، فلا تحكموا على الشّيء من نقائصه، والنّقائص نحن العُصاة، شوّهنا جميل الإسلام وأنكرنا حَسَنَه.
العيْب فينا، وليس بذكوريّةٍ أو دين. لن يسير المجتمع معكِ وحدكِ، ولن يسير معي وحدي، هي شراكة منذ الأزل، ولن تنتهي بشعاراتك الحمقاء تلك. تستطيعين العيش وحدك لمدّة عشرين عاما.. لكن ماذا سيحلّ بالأرض لو لم نتشارك لمدّة عشرين عاما أو أكثر؟ ستنتهي، وستنتهي أنتِ معها، بأفكارك الغبيّة تلك!
يجب أن نتشارك، أنت وأنا، نبني أسرة قويمة، مبنيّة على الخير والحبّ، والتّغيير. وأنت تعلمين -من تعلَّم منكنّ علم القرآن والسُّنَّة- أنّ الإسلام الصّحيح، قد تكفّل للذّكر والأنثى أمْنَهما وسعادتهما في كلا الدّارين، ولم ينتقص منهما ولم يمسسْهما وأفكارَهما بسوء أبدا، لكنّنا نحن؛ من صنع نقيض ذلك.
يقول الله: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكُن إليها.. "؛ فهنا سُكْنى: أي طمأنينة وراحة. وقال: "ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون"؛ وهنا استكمال الشّراكة بين الجنسين، فلا مفرّ من أحدهم عن الآخر. وحتّى في الغاب، تحت منهج الطبيعة، تجد كلّ ما أخبر اللهُ في كتابه واقعا حقيقيّا! لأنّ الغاب وما فيه، لم يصلوا لعنان السّماء بعد، من تكبّر، واكتفوا أن يحيوا ويسيحوا في الأرض.
لكنّنا نحن مَن تَألَّه في هذه الدّنيا! واستحدثنا أفكارا لا نعي منها شيئا، فقط لضعف النّفوس. إذا أردتَ وأردتِ.. مجتمعا سليما يقلّ القتل فيه والمنكرات.. فلننشئ أسرة عظيمة، على دين الأنبياء، في تلك اللحظة فقط يصحُّ مفهوم المشاركة، أنتِ ستُكمّليني وأنا كذلك؛ راحة، وسعادة، وغنىً، ودينا.
النّسوية قاتلة ومَقيتة، ليس فيها ما يومئ بالخير أبدا. 
هي المرأة المتديّنة السَّويّة، التي نشأت تحت ظلّ الأسرة المتديّنة على منهج الأنبياء والصّالحين، فقط وحدها.. من تعي المُراد منها. هذه الأفكار وغيرها، لن تنتهي، طالما لم نتعلّم دين أنبيائنا الأوّلين، ومنهج آخرِهم.. قاتَلها اللهُ، وأصلح بناتِنا وأولادَنا اللهُ.

نصف قرنٍ ونحن ندرس قضيَّتنا


قال شاعري مظفَّر النّوَّاب ذات مرّة:
الحزن جميل جدّا
الحزن جميل جدّا
والليل عديم الطّعم بدون هموم
والنّاس خريفٌ يمطر
والأيّام على الذّلّ سُموم
أهلا بدعاة الموضوعيّة
جارتنا إسرائيل
حبيبتُنا
ذات الفضل على تطوير دمقراطيّتنا
هي صاحبة الأرض ونحن الغرباء
وشُذّاذ الآفاق
ونحلم أنّا وطن عربيٌّ مزعوم
ونكاد نقبّل كفّيها
مَنَحَتْنا إحدى البلديات
وبالكاد مطارا تحت المجهر ليلا ونهارا
ونؤذّن بالعبريّة بعد قليل
وعلى مدفع إسرائيل نصوم
أنزل سحابك للأرض ولا تخجل
دولٌ خُلعت
مارست العهر المكشوف بعوراتٍ ستة نجوم
عارض أنت إن شئت
ملائكة الأمن تحيطك
مطلوبٌ خمسُ دقائقَ
يا الله.. وتدخل إنسانا
وتخرج.. لا شيء فيك من الإنسانيّة سوى الصّمت
وتسأل أين اللهُ؟
وكيف توحّدت الموساد العربيّة والموساد!
وتُسِرُّ بصمت: قدرٌ محتوم محتوم
وتفضَّل حارب إسرائيل
بكلّ عروبة عورتك الزرقاء
وقاتل دون سلاح
دون حدود تُفتح
علّ حدودا تجرح بعض المعنيين
من الآن نقول تُخوم
إيّاكَ وإن عُرّيتَ أمام العالم أن تيأس!
ثمَّ قتالٌ شرسٌ باقٍ ما بقي اللهُ
ويحتاج سلاحا وحدودا داخل رأسك
احذرْ أن تزرع إسرائيل برأسك!
حصّن رأسَكَ
وابدأ بسلاحٍ أبيضَ منه
هجوما بعد هجوم يا ولدي
لا نصرَ بدون هجوم
أو تصبح قوّادا دوليّا يا ولدي

** ملحوظة: ابْقِ هذا السّطر من القصيدة "احذرْ أن تزرع إسرائيل برأسك!" وما جاء تحته بين عينيك، سيكون له وقفة معنا ومع هذه العروبة البالية.


لم أكن أعلم أنَّ تلك الكلمة التي ارتبطت بشعبٍ بل بأمَّةٍ.. ستكون يوماً ما.. هي عنصر القوّة، هي الحياة القادمة، بعيداً عن الهَذَيان الفِكريّ واللاواقعيَّة في الكتابة. 
لم تكن حياةُ الفلسطينين تخصّهم للحظة، بل لم تكن دولتهم تخصّهم أيضاً!
توحّدت الدّماء منذ عام الثّمانية والأربعين وألف، منذ أن صارت الأعراس بها طابعٌ فلسطينيّ أردنيّ؛ فلسطينيّ جزائريّ؛ فلسطينيّ وجنسيّة أخرى؛ قد جُمِّعوا لتصير الدّماء دماءا ذات طابع عربيّ لا فلسطينيّ. فمنذ تلك اللحظات؛ أي منذ أن صارت دماؤنا عربيّة بعض الشيء، وصار عنوان النكبة أو ما يشبهها من مصطلح آخر صاغته صحفنا العربيّة لتهدئة النّفوس، يكون له نفس الطّعم، لكنّ العمر مختلف؛ هي النّكسة، محضَ اسم لا غير! لم تعد تعني التشاؤم والخوف والدّمار والهلاك، لم تعد تعني التّهجير والرّصاص، لم تعد تعني اليهود أبناء عمومتنا! لم تعد تعني تلك المصطلحات التي صنعناها نحن بأنفسنا، التي سقيناها دماء أمومتنا وزيتوننا وشقاء القمح البائس.. النّكبة والنّكسة هما فعل ماضٍ لفعل مُضارع آتٍ لا مَحالة.

توحّدت الدّماء، بل توحّدت الأفكار ما بين نصف قرن، أشبعنا ممّا رأينا ، مللنا حكايات التمجيد للسّارقين والخونة، للرّؤوس الكبيرة، للعلماء الكاذبين؛ عبيد المال والمنصب. مللناهم، مللنا أسماءهم، حتى صاروا ما بين جفنين أعوجين لا يُغمضان حتّى يأمَنا أنْ لا يبيتا الليلة في بيوت خالاتهم.. 
فلسطـين؛ حكاية المستقبل تُكتب بمِداد الطّهر والدّم، الحكاية التي كانت مليئة بالفواصل التي وضعوها قاداتنا وعِلْيَة الأمّة فينا، فلا وجود للنقطة في الحكاية؛ رغم أنّ النّقاط توضع بسهولة لقرار ينصّ على إعدام شبّان أتوا مسجدا في ليلهم، أو تحاوروا باسم الله في جلساتهم، فإنْ مات فلانٌ اليوم ما أمنوا لأخيه الحياة، إنْ زُوِّج فلانٌ.. رُمّلت فلانة، إذن حكايتنا قد تؤول في لغة الرياضيات المتقدّمة إلى المالانهاية المؤقّتة!

النكبة والنكسة وقصصُ جدّي التي لم يفتأ لتارّة من ترديدها، مِفتاح جدّتي حول رقبتها، مخزونُ القمح في عليّة المنزل، الكرات الزّجاجية في "مرتبان" الزيت المكسور، عربة العمدةِ الظالمِ، أهازيج الفِلاحَة وبَذْر القمح والشعير لجارنا ولحماره السّمين "أبو صابر" وصوته الذي يكرهه الله و و و.. 
كلّها قصص لم تُحكى عبثاً ، لم تُحكى فقط لأنّ جدي أحبّ أنْ يتذاكرها، لأنّ جدّتي حنَّت للمكان الذي وُلدت فيه.. بـل لأنّهم علموا أنّ تلك القصص ستكون الرّصاص والبندقية لهم، اللائي جرّدوها إيّاهم بعض المخنّثين عديمي المروءة.

لا عليك.. جدّي، جدّتي، فإنّ القوّة لا يردّها إلا القوة وخنازير القوم إن لم يموتوا اليوم على يد صلاحٍ جديد من ظهور هذه الأمّة، فالقيامة قائمة لا مَحالة، ستقوم ولن يكون فيها إلّا فلسطينا واحدة، لا كما تدّعي خرائط جوجل، التي عرفناها بزيتها وزيتونها وحمامها الذي كان رمزا للسّلام للأمم التي قتلت أطفال السّلام!.

ستثور الفتيان وستُنشر الزّغاريد، ستفيض الأتربة شهداءً بلا أكفان، فلولا الخونة والعميلون لما تذكّرنا تاريخنا.. فشكراً لكم!.

إذنْ؛ فلترقدي بسلامٍ جدّتي، واستحضري جدّي في المنام.. واجلسا وحدّثا الملائكة عمّا حدثتمانا.. وارتقبا.. فإن حكاية فلسطين كاقتران تربيعيّ؛ سيبلغ الذّروة ثمّ يعود مرّة أخرى كما خلقه الله، سيعود فلسطينا. فلسطين الحياة وفلسطين فلسطين.

"أيا مـَنْ قد أُمـِـنـْــتَ على بــلادي
أعـِدْ نبض البلادِ إلى الحيــــــــاةِ

ويا مـَنْ قد أَمـُــنـْــتَ على عــراقٍ
أعـِدْ ماءَ الفُراتِ إلى الفُــــــــراتِ"

وختاما؛ كان لا بدّ أن تعود للأعلى لتستذكر السّطرالتاسع والثّلاثين. فهو في دين الأحرار عقيدة ومنهج. بلّغه.. انشره.. أنشئ أبناءك عليه.. أشربهم أنّ إسرائيل عدوّهم وقاتلهم، وإيّاك إيّاك.. أن توطّن يوما ما إسرائيل في نفسك، فملعونٌ أنت.. ملعونٌ في دستور الأحرار.

حرّر اللهُ فلسطين، وأعادنا إليها فاتحين، وأكرمنا بصلاة في مسجده الأمين.. آمين.. آمين.   

وأنت.. أيُّ واحد منهم؟





والخائنون لا يعرفون معنى الوطن، أليس كذلك يا حُذيفة؟

- لا يا قيس؛ هم يعرفونَهُ جيّداً للدَّرجَة التي أمكنهم فيها بيعه.

وكيف ذلك؟!، كيفَ يبيعُ مَن عرف؟

- عندما تخسر كلَّ شيء، عندما تصل لنقطةِ الموت التي لا عَوْد فيها للحياة، وتُخيَّر إمّا الوطنُ أو أثمنُ أشيائك.. عندها يُباع الوطن.

أَليسَ هذا مِن الضّعف.. أن تختار الوطنَ على أثمنِ أشيائك؟!

- يا قيس؛ لا يمكن لرجل حافٍ أن يذود عن وطنه، لا يمكن له ذلك وهو لا يملك شيئاً ليذود أثر الأرض عن قدميه! ومن الجُنون أنْ تعطيه بندقيّة لأجل ذلك.

يا قيس.. الوطنُ يُباعُ عندما تخسرُ كلَّ شيء فيه. عندما يُقتلُ الحبُّ.. الأملُ.. الدِّفءُ.. في المكان الذي تتنفّس منه وتقيت من أحببتَ فيه، ويتبدّلُ الحبُّ والأملُ والدِّفء ويعيش الكره والخوف فيه.

إنّكَ تبالغ كثيراً كعادتِك! ألا تعرف من كان شريفاً رغم ضعفه وفقره وأبى أن يخون الوطن؟!، ألا تعرف من ذويك وأهلك من كان منهم؟!، أنا أعرف الكثير والكثير منهم.. فالمقاهي ممتلئة بقصصهم اللعينة!

- نعم يا قيس؛ هناك من لا يبيعون أوطانهم وقد خسروا كلَّ شيءٍ من قبل، أَوَ تعلم من هم يا قيس؟

قد قلتُ لك سابقاً.. أعرف الكثير منهم..

- لكنّك كعادة الجميع.. تسيرُ على الشطّ وتدَّعي أنّك أمهر السبّاحين! وعندما يوشكُ أحدهم على الموت أمامك غرقاً.. تعترف أنّك لا تفهم شيئاً، لكن بعد فوات الأوان.

بل إنّهم يا قيسُ، الذين أرادوا أن يكون لهم قبرٌ هنا في هذا الوطن، ليُقال عنهم: قد دُفنوا في أوطانهم. فالكلُّ يظنُّ أنَّ مَن يموت في وطنه يكون شريفاً حافظاً للعهد! والحقيقةُ أنَّه أراد ثمناً أكبر مِن الذي قد عُرض عليه ليبيع شيئاً من هنا، ولكنّهم رفضوا ذلك، فكان الزَّمنُ هو الحَكَم.

أنت لا تعترف إذن، بالوطنيّة والأمانة، وكلُّنا في نظرك سنبيع أوطاننا إذا عُرض علينا الثَّمن المناسب يوماً ما.. أليس كذلك؟!

- لا يا قيس، أنت من سأل عن الخيانة أولاً، وأنا فقط أدّيتُ دور المجيب، وكنتَ تسأل عن أنّ من يخون.. قد خان لجهل، ولم يكن يعلم جيّداً عظمة ما خان لذلك خان.. لم تسألني عن غير ذلك!.

نعم أنت على حقّ، إذن.. هناك من كان وفيّاً لوطنه؟

- بلى يا قيس، لكنّهم قلّة، مجهولون في غياهب إحدى الأمكنة المظلمة، إن رأيتهم لا تكاد تميز منهم لا قلباً ولا وطناً، ولا يعلم أحدٌ أحدٌ أنّهم أوفى الأوفياء لزهر الوطن، ليس كباقي الشُّرفاء الذين يرتادون مقاهيك الذين ادّعيت أنّك تعرف وفاءهم جيّداً وأثقلوك بقصصهم اللعينة في الذَّود عن أثمن أشيائهم!. 

قد أتعبتني حتّى أجهلتني نفسي!، فهل أنا خائن أم وفيٌّ أمينٌ على وطني؟، أخبرني كيف لي أن أميز خائن وطني من غيره.. علّي أميز نفسي من بين تلك النُّفوس.

- لا أعلم على ماذا جُبِلَت طينَتُك يا قيس. وإذا أردت أن تعرف.. فعندما يطلُب جَسَدَكَ مُغلَّفاً بروحكَ الوَطَنُ.. وتُلبّي نداءه مُحبّاً.. لا خَوّافاً ولا تفعل ذلك خوّاناً ولا مكان للتّراجع فيك، فأنت إذن، مَن يبحث عنكَ الوطنُ.

وأنت، أيّ واحد منهم؟!
- لا أعلم.. دعنا ننتظر نداءه الميمون، كي نعرف بالضّبط من أنا.
وإلى أن تأتِ تلك اللحظة.. تعالَ معي نجلس في ذات المقهى الذي أخبرتك فيه عن قصصي العظيمة عن النُّبل والولاء، وكيف أسرفتُ بحبّي وتضحيتي للوطن.


إزدواجيّةُ رجل شرقيّ


افترشنا طريقا لا يملكُ رصيفين، ينأى بنفسه عن أيّ ضوضاءَ في هذا العالم تثقلُه. قال لي: أريدُ أن أسافرَ لأرض الشّقراوات الحِسانِ، ولا أعود منها. أريدُ أنْ أجتثَّ كلَّ جذوري الشرقيّة من هُنا، ومَن أبى منها.. سأقطّعهُ إرَباً إرَباً، أريد أن ينساني هذا العالمُ، أريد أن تنساني خارطةٌ تضمُّ أمّي وأبي، أريدُ أن ينساني تاريخي ومُعتَقَدي، أريد أن أُنسى كأنّي لم أكن يوماً..
سأبحثُ عن امرأةٍ تمنحني الجواز الأوروبيَّ. سأفتّشُ عنها كلَّ ميادين هذا العالم الكئيب حتّى لو كلّفني ذلك عمري، حتّى لو بقي لي يوم واحد، سأفعل المستحيل لأجل اللحظة المنشودة تلك.


وأنت ماذا سَتمنَحُها؟ قال: جيناتي. "ضحكتُ حتى بكت خاصرتاي".
لِمَ تضحك؟ أضحكُ على تلك المغفّلة، التي ستُثمّن جيناتك العربيّة بشيء! صدّقني.. نحنُ لا نساوي شيئاً.

ردَّ عليَّ بحرارة: يا مغفّل.. ليس كما تظنُّ!
 فالأوربيّات يعشقنَ الشرقيّة فينا!

قاطعتُه بقدر لهفتي لسماع إجابته: أَلِأجلها أم لأجل ما تملك؟ قال: بل لأجل ذاتي وكيانيَ المهزوم، لأجل أن أنجو بنفسي ومن معي.


وهل يَصِحُّ في منطق الحرب.. أن يدفع الثّمنَ غيرُ الطرفين المحاربين؟! هل تَصِحُّ معادلة الحرب تلك إذن؟!
يا قيسُ؛ قد هزَمَتْكَ أفكارُكَ تلك، من قبل أن تدخل معركتك اللعينة، هُزمتَ من لا شيء! هزمتَ نفسك عندما وكّلتَ حربَكَ لأناسٍ آخرين.
يا قيس.. لا يُولد المرءُ منتصراً، يجب أن نبنيَ أفكارنا أولاً.. نغزلها ثمّ ننسج منها ما يلائم واقعنا وأحلامنا.. نصنعُ منها ما يقينا حرَّ الحرب، نصنع دِرعاً وسيفاً من سيوف الهند، ثمَّ ستكون لك حربُك الخاصّة، عندها يجدر بك أن تقاتل لها وليس لأجل حوريّة شقراء من إحدى جنّات الأرض.
أتعلمُ شيئاً.. البعضُ منّا -وأنت منهم يا قيس- يودّ أن يولد ملكاً غنيّاً ذا بَذَخٍ وسَطْوَة، لكنّ البعضَّ الآخر يودُّ أن يمتطي صَهْوَة جواده كي يحاربَ لأجل تلك اللحظة.. لحظة وُلادته.. لحظة ولادة أحلامه، اللحظة التي سيضحكُ بها للمرّة الأولى، بعد الشّقاء الذي تمرّغ به في معاركه الخاسرة من قبل!


غريبٌ أنت يا حذيفة.. غريبٌ لدرجة تَصَنُّعكَ كلاماً لأجل أن تَتَسيَّدَ الحديثَ فقط! أَلَا تحبُّ أن تولد ملكاً غنيّاً ذا بَذَخٍ وسطوةٍ؟! ألا تحبُّ أن تكون لك القدرة وأن تكون مطاعاً في أهلك؟! إنّك تختلقُ كلاماً.. وهذا بالأصل يعارض ما جاء به اللهُ منذ الأزل..

لا يا قيس.. بل أنا أشدّ المغرمين بتلك الأمور والدّاعين لها، لكنّني أختلف عنك بشيءٍ واحد.. هو أنّني أريد أن تذكرني حروبي رغماً عنها! لا أن أشتري حرباً تَذْكرني للحظة وتنساني بقيّة العمر. أن تقاتل لأجل شيء ما.. هو أجمل بكثير وألذّ من أن تُصْبِحَ وتجد هذا الشيء أمام عينيك بلا أيّ نَدْب لأجله يُذكر!

هل تذكر خالداً بن الوليد؟! كان أبوه من سادات قريش وأَحَدُ قاداتها، كان الوليد بن المغيرة ذا مال وذا نسب وجاهٍ وسطوة.. ينزل منزل الأبرار الأطهار بين أهله، وكذلك كان أبناؤه.. فكان لخالد مِلكٌ لا يُذكر.. لكن.. عندما جاء محمّدٌ برسالته تلك، جاء خالدٌ وخلع كلَّ جذر من جذوره لأجل محمّد ورسالته.. قاتلَ كثيراً.. حتّى لم يتبقّى شبرٌ في جسده إلّا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف. الغريبُ في الأمر.. أنّ خالداً عند موته وقد قاتل في كلّ معارك الله وانتصر فيها، وأذاق في اليرموك ما أذاق.. إلّا أنّه قال قولته المشهورة: لقد شهدتُ مئة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح. ثمَّ أكملَ: وها أنا ذا أموت على فراشي.. حَتْفَ أنفي، كما يموت البعير.. فلا نامت أعين الجبناء؟
لأنّه لم يمُت شهيداً بأحد الضربات لأجل رسالته وحربه التي وهبها نفسه، رغم أنّه قد فاز بكلّ شيء لدرجة أن صار سيفاً من سيوف الله! رغم كلّ ذلك وأكثر.. إلّا أنّه في مِيتته.. لم يرد أن يموت "هكذا" كما قال.. ميتة البعير، بل ميتة مشرّفة في ساح الحرب!

مناطقُنا تختلف يا قيس، وكلٌّ له طريقته في تعريف حربه.. لكن أريد منك ألّا ترجعَ وتذكر أنّك ستحارب لأجل أن تجد فتاتك الشّقراء، لا تذكر كلمة حرب.. فمنطقُكَ ليس منطق حرب ولا حتّى هزيمة؛ فالهزيمة أيضاً تكون في ساحة الحرب!



حسناً.. إذن، حسب رأيكَ قد هُزمتُ مبكّراً.. وأنّني لا أستحقُّ أن أبحث عن فتاتي.. أليس كذلك؟

لم أقُل.. أنّكَ لا تستحقُّ.. بل قلتُ بحثُكَ عنها ليس بحرب ولا يكون انتصاراً، بل تكون هكذا قد وكّلتَ حربك أحداً غيرك.. ليمنحك الحياة!

.
.
.

قيس فجأةً: حذيفة.. 

حذيفة: مَ؟

قيس: أخبرتَني بالأمس أنّك اتّصلتَ مع أحد أقربائكَ في السُّوَيد.. ماذا دارَ بينكما؟

حذيفة: لا شيء.. أخبرتُه أن يبحث لي عن فتاة من هناك كي نكوّن عائلة ذات طابع شرقيّ مُقيَّد.

قيس: دعنا نكون عَدِيليْن إذن!

حذيفة: لا عليك.. سيكون ذلك، وسنسافرُ بنفس مقعد الطائرةِ.. إن شاء الله.

قيس: سنكون جميعاً أنا وأبنائي وأبناؤك أيضاً، مدينين لك بذلك طيلة حياتنا، وستظلّ مديناً لنفسكَ.. بانتصاركَ بهذه الحرب.. طيلةَ حياتِك!

حذيفة: نعم، ربّما!

نسبيّة لا تعترف بالزَّمن




‏لو أن أحداً منّا من ذوي العشرين.. نام مدّةً من الزّمن تُقدَّر بعشرين عاما، ثمّ أيقظه خَطْبٌ ما.. فهل سيكون عمرُه مُذْ أن استيقظ بضعا وأربعين عاما، أم أنّه سيظلّ من ذوي العشرين في عمره؟!


لم أكن أحسب بتاتا.. أنّ أعمارنا هي ما مشتْ عليها الشّمس! أنّ أعمارنا مَحْض شريط زمنيّ؛ يُسيَّر فيسير ولا له ولا عليه، ولم أكن أدرك حقّا أنّ خِلاف ذلك هو الحقيقة بعينها.

متى تمرّ الشّمسُ علينا يوما.. يعني ذلك أنّنا سنكبر يوما، فتلك معادلة الشّمس التي بها هرمنا وما زلنا نهرم إلى أنْ نموت. لكنْ؛ هل حقّا أنّ المعادلة تلك هي المعادلة الصحيحة؟ وهل هناك في مَخادِع هذا الكون العظيم ما يومئ لنا بمعادلة تكون نقيض ما علّمتنا إيّاه الشّمس؟

تُحرَّق الأوطان، وتشتعل المساجد، وتُنتهك الكنائس، وتتكسّر الأقلام، وتزداد الظّلال طولا، وتنطمس الحقائق بين نافٍ ومكذِّب، ونحن.. ونحن نزداد قتلا.. هَمَجِيَّة.. خوفا.. خذلانا.. وأملاً على أنْ نصحو على غدٍ لا يحمل في طيّاته ما يقتُلنا.. ما يفنينا.. ما ينافي أفكارنا.. ما يجعل منّا قادة للأمم.. بل ما يجعل منّا خَدَمة للأمم؛ إنهاضا لها من ظلماتها، كما كنّا في سابق عهدنا الأوّل.



القدس وبغداد ودمشق وصنعاء وطرابلُس وتونس الخضراء والجزائر وكلُّ عاصمة اغتصبت من قبل أو ما زالت تحت صراخ الاغتصاب، هي من فعل كلتا يديك أنت! أَوَ تحسب جغرافيّة الأوطان تبعدك عمّا فيها؟! أوَ تحسب أنّها القدس لا تعنيك أبداً؟! وصنعاء اليمن.. بقَفير نحلها وعسلها أليس لك حقّ بهم؟ وأنّ دمشق الخير بعذوبة ما تحويه من شجر أَجَاص وكُروم عِنَب وكلّ تلك العصائر ليس لك حقّ بهم؟! وبغدادٌ بتمورها.. ونفطِها البازلتيّ.. أنْ ليس لك حقّ بهم؟ أَوَ تحسب أنّ شَدْو العصافير المُهجَّرَة من أرض عراقنا ويَمَنِنا وقُدْسِنا ومن ربيعنا العربيّ -كما ظننّاه- لن تحاسبك يوما فيما هُجّرَتْ؟! أَوَ تحسب أنّ جِدارا شائكا لوّنوه وصَوّروه وصيّروه كيفما شاؤوا.. فصار وطنا مضلَّعا أو غير مضلَّع -قتلوا فيه آباءنا وكسروا هديلَ الحَمَام فيه، وصيّرونا أعداءا نقتل بعضنا بعضا- سيمنعنا عن مواطن عروبتنا؟! أَلا تحسب أنّ اسمك ذاك الذي ينادوك به هو محض وَهْم لا أكثر؟! وأنّه نتاج سايكس بيكو التي مزّقتنا وأنتجت منّا من كان شيطانا بشريّا؟


تخيّل أنْ لا وجود لسايكس بيكو اللعينة.. تخيّل فقط!
تخيّل كيف تكون أنت حرّا بين الأفكار العربيّة، تجمعها وتخيطها كيفما شئت، تمرّ على كلّ فكرة أنثويّة كانت أم ذكريّة، تصنع منها تذكرةً تسافر وترتحل بين عوالم ومواطن ومدائن وأنت ما بين فكرة وأخرى!

الأعمار إذن؛ هي محض رمز نتداوله بيننا لا أكثر! والشّمس يا مولاي إنْ مرّت عليك عاما، فهذا لا يعني أنّك قد صرت رجلا أو امرأة أكبر بعام عمّا كان من قبل أن تمرّ الشّمس عليك. العمر يا مولاي؛ هو ما أقمتَ فِكرا أعوجا كاد أنْ ينهي نفسه ويهلك الآخرين به، العمر يا صاح هو ما كتبتَ.. أو كم كتابا قرأت.. كم معركة فِكريّة خضتَ بين ذاتك أو بين ذاتك والآخرين.. العمر يا مولاي هو أنْ تصل للشّمس تلك -التي تمرّ عليك يوميّا، من قبل أن تمرّ على يومك الأخير- بالعلم، بالمعرفة المُكتَسبَة، بالتقدّم العلميّ والمعرفيّ..

العمر يا مولاي، لا يكون بعِداد الأنفاس التي تقطعها وتذكيها باليوم والليلة، فالعمر إنْ لم أُخْطِئه؛ هو عبورك الأكوان والأزمان في ذات اللحظة دون أنْ تُحرِّك ساكنا متلثّما بينك وبين عقلك، لا يفصل بينكما فاصل، تستدرجه وتأمره فيطيع.. لا يعصي لك أمرا أبدا.

لو أنّنا نقرأ أكثر من كرهنا للآخرين، لو أنّنا نحلم بالقوّة بقدر ضعفنا! لو أنّنا نكبُر بقدر تقزيمنا لأنفسنا! ولو أنّنا لا نُخِدّ الأخاديد لنحرِّق به أبناء عقيدتنا، وأبناء أترابنا على اختلاف اتجاههاتنا ومذاهبنا، ولو أنّنا نحبّ ذواتنا ولا نصيّرها ونصغّرها، ولو أنّ بكل نفس فينا.. خالدا أو صلاحا أو عُمُرا أو أبا البُختُريّ -الذي مات لمبدأ وقد كانت له الفرصة ليعيش- ولو أن فينا أبا دُجانة، ولو أنّنا نعشق تاريخنا المشرِّف بقدر عشقنا لهذه أو تلك! ولو أنّنا نرتاد عقولنا ولا نهجرها...



نعم؛ فالمعادلة باتت واضحة، فأبو العشرين عاما لن يكبر بتاتا، بغير أن تمرّ الشّمس على العقل قبل الجسد. فإلى أن يفتح العقل بابه، وإلى أن تُنضِج الشّمس عقولنا، لنا أنْ نحلم بغد يكون أجمل.. أنقى.. أنصع بياضا وأكثر إشراقا..

فحتى ذلك الوقت، ستمضي القدس ليلها بين أخمَصٍ وكأس تفّاح فاخر مُثلَّج، وستظلّ دمشق تستر عورتها بأجساد الملائكة الصّغار، وسيظلّ قفير النّحل يردّ صدىً جاءه عابثا من أحد السّائلين عن الحياة! وستظلّ طرابلُس الشّقراء تعطي عسلها الأسود للعابثين به غصْبا وقهرا، و سيظلّ ذو العشرين عاما.. فتىً يافعا حتّى وإن عتى عليه الزّمن وأبحر ولوّن حاجبيه بألوان السّكر.
سيظلّ ذو العشرين عاما يمشي على ثلاث، ويرى بأربع، ويلهث من وقْع أنفاسه الثّقيلة، سيظلّ طفلا والشّمس قد مشت عليه آلاف السّاعات؛ وهنا قد تصير معادلة الشّمس حقّاً باطلة.


وإلى أنْ يصحو ذاك الشّاب الذي نام عشرين عاماً.. سنتكلّم معه كي نراه متى أفاق من سَكْرَته تلك، وعندها فقط.. مِن المُرجَّح أن نعرف ما إجابة سؤالنا الذي سألناه آنِفا.

والحقيقة نفسها لا تُعرف إلّا عند وضوحها



والحقيقة نفسها لا تُعرف إلّا عند وضوحها.

قيس: حذيفة؛ أحمقُ أنت؟! فعند النّهايةِ.. دائماً ما يميز السّرابُ مِن الحقيقة.. إذن؛ لم تأت بجديد!

يا قيسُ؛ نحن لا نحبّ أن تتضّح الحقيقةُ، بل نحبّ الاحتمالات التي تسبقها. والمغامرات التي نجحنا بها؛ نجحتْ.. لأنّنا عِشْنا على احتمال الحقيقة وليس على الحقيقة ذاتها!

نحن نحبّ أن نعيش الحياة مُتْرَفين بالعصيان، لكن لا نحبّ حقيقة الموت والعذاب، نحبّ أن نعيش قصص الحبّ الجنونيّة، لكن لا نحبّ حقيقة الزّواج، نحبّ أن نعيش البَذَخ الفاحشَ من الحياة.. لكن لا نحبّ حقيقة العمل. نحن نحب أن نعيش تلك الاحتمالات لكن دون حقائقها، وأنْ تعيش الاحتمال دون حقيقته الخاصّة.. هو بحدّ ذاته فشل مُسبَق.